أبي بكر جابر الجزائري

388

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وقبح أعمالهم حملهم هذا الجميل والإحسان على أن قالوا : هُوَ أُذُنٌ طعنا فيه صلّى اللّه عليه وسلّم وعيبا له . وقوله تعالى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ هذا من جملة ما أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول للمنافقين ردا على باطلهم . أنه صلّى اللّه عليه وسلّم يؤمن باللّه ربا وإلها ، وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي بصدقهم فيما يقولون وهذا من خيريّته صلّى اللّه عليه وسلّم وقوله وَرَحْمَةٌ « 1 » لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أيضا من خيريّته فهو صلّى اللّه عليه وسلّم رحمة لمن آمن به واتبع النور الذي جاء به فكمل عليه وسعد به في حياتيه . وقوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ أي بأي نوع من الأذى قل أو كثر توعدهم اللّه تعالى بقوله لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وهو لا محالة نازل بهم وهم ذائقوه حتما هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 61 ) أما الآية الثانية ( 62 ) فقد أخبر تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون للمؤمنين بأنهم ما طعنوا في الرسول ولا قالوا فيه شيئا يريدون بذلك إرضاء المؤمنين حتى لا يبطشوا بهم انتقاما لكرامة نبيهم قال تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ « 2 » لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ « 3 » أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أي فبدل أن يرضوا المؤمنين كان الواجب أن يرضوا اللّه تعالى بالتوبة إليه ويرضوا الرسول بالإيمان ومتابعته إن كانوا كما يزعمون أنهم مؤمنون . وقوله في الآية الثالثة ( 63 ) أَ لَمْ يَعْلَمُوا « 4 » أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يشاقهما ويعاديهما فإن له جزاء عدائه ومحاربته نار جهنم خالدا فيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ أي كونه في نار جهنم خالدا فيها لا يخرج منها هو الخزي العظيم . هداية الآيات من هداية الآيات :

--> ( 1 ) أي : وهو رحمة . على أنّ رحمة : خبر لمبتدأ محذوف وقرئ : ورحمة بالجر عطفا على خَيْرٍ لَكُمْ وفيه بعد كبير . ( 2 ) روي أنّ نفرا من المنافقين منهم الجلاس بين سويد ووديعة بن ثابت فقالوا : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شرّ من الحمير وبينهم غلام فغضب لقولهم هذا وأخبر به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فكذبوه في قوله فأنزل اللّه تعالى هذه الآية : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ . . الخ . ( 3 ) قال سيبويه : تقدير الكلام ، واللّه أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه ثم حذف طلبا للإيجاز كما قال الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف والحامل على هذا التقدير لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يرض بقول الرجل : ما شاء اللّه وشئت فقال له : ( قل ما شاء اللّه وحده ) لأنّ العطف بالواو لا يقتضي الترتيب . ( 4 ) الاستفهام للانكار والتوبيخ والمعنى : ألم يعلموا شأنا عظيما هو من يجادل اللّه ورسوله له نار جهنم ، والمحادة : المعاداة والمشاقة كأنّ كل واحد واقف في حدّ لا يتصل بالآخر ، والفاء في فَأَنَّ لَهُ لربط جواب شرط مَنْ وأعيدت أنّ في الجواب لتوكيد أنّ المذكورة قبل الشرط توكيدا لفظيا .